الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

496

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ « 1 » فقال : لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا ، صفوا صفا واحدا ما أحاطوا باللّه أبدا . قال ابن كثير : غريب ، لا يعرف إلا من هذا الوجه ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة واللّه أعلم . ومما نسب لإمام الحرمين في « لمع الأدلة » أنه قال : من أصحابنا من قال : إن الرب تعالى يرى ولا يدرك ، لأن الإدراك يا بنى عن الإحاطة ، ودرك الغاية ، والرب جل جلاله تقدس عن الغاية والنهاية ، ثم قال : فإن عارضوا بقوله تعالى في جواب موسى - عليه السّلام - : لَنْ تَرانِي « 2 » وزعموا : أن « لن » تفيد النفي على التأبيد ، قلنا : هذه الآية أوضح الأدلة على جواز الرؤية ، فإنها لو كانت مستحيلة لكان معتقد جواز الرؤية ضالا وكافرا ، وكيف يعتقد ما لا يجوز على اللّه تعالى من اصطفاه لرسالته واختاره لنبوته ، وخصه بكرامته ، وشرفه بتكليمه ، وجعله أفضل أهل زمانه ، وأيده ببرهانه ، وكيف يجوز على الأنبياء الريب في أمر يتعلق بعلم الغيب . فيجب حمل الآية على أن ما اعتقد موسى - عليه السّلام - جوازه جائز ، لكن ظن أن ما اعتقد جوازه ناجز ، فرجع النفي في الجواب إلى الإنجاز ، وما سأل موسى - عليه السّلام - ربه رؤيته في المال ، فصرف النفي إليه ، والجواب يدل على قضية الخطاب ، انتهى . وقال البيضاوي : في هذه الآية دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة ، لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال ، وخصوصا ما يقتضى الجهل باللّه تعالى ، ولذلك رده بقوله : لَنْ تَرانِي « 3 » دون : لن أرى ، انتهى . ونقل القاضي عياض عن أبي بكر الهذلي ، في الآية ، أن المراد : ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلىّ في الدنيا ، وأنه من نظر إلىّ مات . قال : وقد رأيت لبعض السلف والمتأخرين ما معناه : أن رؤيته تبارك وتعالى في الدنيا

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 103 . ( 2 ) سورة الأعراف : 143 . ( 3 ) سورة الأعراف : 143 .